الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

54

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

انحصاره في القادر ، فهذا نعت لكبيرهم ، أو بدل منه . وقيل : هو خبر « لكبيرهم » ، وتم الكلام عند قوله : بَلْ فَعَلَهُ ، وفاعل الفعل محذوف ، أي فعله من فعله . ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله : بَلْ فَعَلَهُ ، ثم يستبدي كَبِيرُهُمْ هذا . وقرأ محمد بن السميفع : « فعله كبيرهم » بتشديد اللام أي فلعل الفاعل كبيرهم هذا ، فَسْئَلُوهُمْ ، أي الأصنام عن كاسرهم ، إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) حتى يخبروكم من كسرهم ، وجواب الشرط هو ما قبله ، وهذا مرتبط بقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فيكون إسناد الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين ، فلما لم يكونوا ناطقين ، امتنع أن يكون الكبير فاعلا . والمعنى : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون ، فاسألوهم . وهذه التأويلات لنفي كذب سيدنا إبراهيم . والأولى هو الأول ، فإن التعريض لا يسمى كذبا . وأيضا يجوز أن يكون اللّه تعالى قد أذن له في ذلك الكلام لقصد الصلاح ، وتوبيخهم ، والاحتجاج عليهم ، كما أذن ليوسف عليه السلام ، حين نادى مناديه فقال : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [ يوسف : 70 ] ولم يكونوا سرقوا فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ، بالتفكر فلاموها ، فَقالُوا أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم ، أو قال لهم ملكهم نمروذ : إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ، بعبادة الأصنام ، لا من كسرها ومن قلتم في حقه أنه لمن الظالمين ، فإنهم علموا بعد التفكر أن عبادة الأصنام باطلة ، وأنهم على غرور في ذلك ، أو أنتم الظالمون لأنفسكم ، حيث سألتم من إبراهيم عن كاسر الأصنام ، حتى أخذ يستهزئ بكم في الجواب ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أي انقلبوا عن الفكرة الصالحة إلى الحالة الأولى ، فأخذوا في المجادلة بالباطل قائلين : واللّه لَقَدْ عَلِمْتَ يا إبراهيم ، ما هؤُلاءِ الأصنام ، يَنْطِقُونَ ( 65 ) أي لقد علمت أنه ليس من شأنهم النطق ، فكيف تأمرنا بسؤالهم . وقرئ « نكّسوا » بالتشديد ، و « نكسوا » بالبناء للفاعل ، أي نكّسوا أنفسهم على رؤوسهم ، وهي قراءة رضوان بن المعبود ، قالَ إبراهيم مبكّتا لهم : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أي أتعلمون ذلك فتعبدون متجاوزين عبادة اللّه تعالى ، ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ، أي نفعا قليلا وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ أي قذرا وقبحا لكم وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ، واللام لبيان المتضجّر لأجله ، وعائد الموصول محذوف ، وهذا تضجّر من سيدنا إبراهيم من إصرارهم على الباطل البيّن . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) . أي ألا تتفكرون ، فلا تعقلون قبح صنيعكم من عبادة ما لا يضر في ترك عبادته ، ولا ينفع في عبادته . قالُوا أي قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن المجادلة وضاقت عليهم الحيل ، والقائل لهم ملكهم نمروذ بن كنعان ، وقيل القائل رجل من أكراد فارس اسمه هينون ، خسف اللّه به الأرض ، حَرِّقُوهُ أي إبراهيم بالنار وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أي انتقموا منه لآلهتكم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) ، لنصرتها فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق .